الشنقيطي
200
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال ابن المنير : أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ ا ه - ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه ، مع من فرق بين لعان الأخرس ، وطلاقه ، واللّه أعلم . فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال : إن الإشارة المفهمة تقوم مقام اللفظ . واحتج من قال : بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك ، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) فإن في هذه الآية التصريح بنذرها الإمساك عن كلام كل إنسي ، مع أنه تعالى قال : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [ مريم : 29 ] أي أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر فهذه إشارة مفهمة ، وقد فهمها قومها فأجابوها جوابا مطابقا لفهمهم ما أشارت به : قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) [ مريم : 29 ] ، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألّا تكلم إنسيا . فالآية صريحة في أن الكلام باللفظ يخل بنذرها ، وأن الإشارة ليست كذلك ، فقد جاء الفرق صريحا في القرآن بين اللفظ والإشارة ، وكذلك قوله تعالى قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [ آل عمران : 41 ] فإن اللّه جعل له آية على ما بشّر به وهي منعه من الكلام ، مع أنه لم يمنع من الإشارة بدليل قوله : إِلَّا رَمْزاً ، وقوله : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا [ مريم : 11 ] الآية . فدل ذلك على أن الإشارة ليست كالكلام . والآية الأولى أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ ، لأن الآية الثانية محتملة لكون الإشارة كالكلام ، لأن استثناءه تعالى قوله إِلَّا رَمْزاً من قوله أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه ، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال . واللّه تعالى أعلم . فإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة ، هل هي كاللفظ أو لا - فاعلم أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة ، هل تنزل اللفظ أو لا . وسنذكر هنا إن شاء اللّه تعالى جملا من أقوال أهل العلم في ذلك ، وما يظهر رجحانه بالدليل . قال ابن حجر رحمه اللّه تعالى في ( فتح الباري ) في آخر « باب الإشارة في الطلاق والأمور » ما نصه : وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة ؛ فأما في حقوق اللّه فقالوا : يكفي ولو من القادر على النطق . وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه . ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسا من نطقه . وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت ، ورجحه الطحاوي . وعن الأوزاعي إن سبقه كلام ، ونقل عن مكحول إن قال : فلان حر ثم أصمت فقيل له : وفلان ؟ فأومأ صح . وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم منه مقام النية ، كما لو